jihainfo// ع.لخضر
لم يعد مفهوم الاستحقاق (La Méritocratie) مجرد نظرية إدارية أو فلسفة سياسية تتداولها الجامعات ومراكز البحث، بل أصبح أحد أهم مؤشرات نجاح الدول وقدرتها على تحقيق التنمية المستدامة. فالدول التي جعلت الكفاءة أساسًا للتعيين، وربطت المسؤولية بالنتائج، استطاعت أن تبني مؤسسات قوية، وأن تحقق نموًا اقتصاديًا متوازنًا، وأن تعزز ثقة مواطنيها في الإدارة.
وفي المغرب، يكتسي هذا المفهوم أهمية خاصة، بالنظر إلى حجم الإصلاحات التي تشهدها المملكة، والتي تهدف إلى بناء دولة حديثة، قادرة على مواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية، ومؤهلة لجذب الاستثمار وخلق فرص الشغل.
لقد أكد النموذج التنموي الجديد أن الرأسمال البشري هو الثروة الحقيقية للمغرب، وأن تحقيق التنمية لا يمكن أن يتم إلا عبر ترسيخ قيم الكفاءة، والشفافية، وتكافؤ الفرص، وربط المسؤولية بالمحاسبة. فالتنمية لا تُقاس فقط بحجم المشاريع الكبرى، بل أيضًا بقدرة المؤسسات على اختيار الأشخاص الأكفأ لتدبيرها.
واليوم، يراهن المغرب على أوراش استراتيجية كبرى، من بينها تعميم الحماية الاجتماعية، وإصلاح المنظومة الصحية، وتحديث التعليم، ورقمنة الإدارة، وتعزيز السيادة الصناعية والغذائية، إضافة إلى الاستعداد لاحتضان تظاهرات رياضية عالمية، وعلى رأسها كأس العالم 2030. وكل هذه المشاريع تحتاج إلى كفاءات قادرة على التخطيط، والتنفيذ، والتقييم، واتخاذ القرار بكفاءة ومسؤولية.
إن المستثمر، سواء كان مغربيًا أو أجنبيًا، لا يبحث فقط عن بنية تحتية حديثة أو حوافز ضريبية، بل يبحث أيضًا عن إدارة فعالة، وقرارات مبنية على الكفاءة، ومؤسسات تتمتع بالمصداقية والشفافية. فكلما ترسخ مبدأ الاستحقاق، تحسن مناخ الأعمال، وتعززت الثقة، وارتفعت تنافسية الاقتصاد الوطني.
وفي المقابل، فإن أي تراجع عن هذا المبدأ، لصالح المحاباة أو الزبونية أو تغليب العلاقات الشخصية، يؤدي إلى إضعاف المؤسسات، وإحباط الكفاءات، وهجرة العقول، وإهدار الموارد، وهو ما ينعكس سلبًا على وتيرة التنمية.
ولا يقتصر الاستحقاق على الإدارة العمومية، بل يشمل أيضًا الأحزاب السياسية، والجماعات الترابية، والجامعات، والمقاولات، والجمعيات، والقطاع الرياضي. فالمجتمع الذي يمنح الفرص بناءً على الكفاءة هو مجتمع يشجع الإبداع، ويحفز الشباب على الاجتهاد، ويعزز الانتماء والثقة في المستقبل.
إن المغرب يمتلك طاقات بشرية متميزة أثبتت نجاحها داخل الوطن وخارجه، وما تحتاجه هذه الكفاءات هو بيئة تنافسية عادلة، يكون فيها معيار النجاح هو العمل والإنجاز، لا الانتماء أو النفوذ. فالاستحقاق ليس امتيازًا تمنحه الدولة، بل هو حق لكل مواطن يبذل الجهد ويطور قدراته.
وفي ظل التحولات الدولية المتسارعة، أصبح الاستثمار في الإنسان هو الاستثمار الأكثر ربحًا. ومن هنا، فإن ترسيخ ثقافة الاستحقاق ليس خيارًا إداريًا فحسب، بل هو مشروع حضاري يعزز ثقة المواطن، ويرفع جودة الخدمات العمومية، ويقوي الاقتصاد الوطني، ويجعل المغرب أكثر قدرة على تحقيق أهدافه التنموية.
إن مغرب الغد لن يُبنى بكثرة النصوص القانونية وحدها، بل ببناء مؤسسات تؤمن بأن الكفاءة هي أساس المسؤولية، وأن العدالة تبدأ بتكافؤ الفرص، وأن النجاح الحقيقي هو الذي يُكتسب بالاجتهاد والإبداع. وعندما يصبح الاستحقاق ثقافةً راسخة في جميع القطاعات، سيكون المغرب قد خطا خطوة حاسمة نحو ترسيخ دولة المؤسسات، وتعزيز تنافسيته، وتحقيق تنمية شاملة يستفيد منها الجميع.



















