jihainfo// بقلم الدكتور محمد بنيحيى //
في المشهد السياسي المغربي، اعتاد المواطنون على سماع الوعود الانتخابية والشعارات الرنانة التي تتوارى غالبًا بمجرد انتهاء الاستحقاقات الانتخابية. غير أن بعض التجارب تفرض نفسها بفضل الاستمرارية في العمل، والالتصاق بقضايا المواطنين، والقدرة على تحويل المسؤولية العمومية إلى التزام يومي تجاه الساكنة. ومن بين هذه التجارب تبرز النائبة البرلمانية خديجة حجوبي يعقوبي، التي استطاعت أن تكرس حضورها في الواجهة السياسية والتنموية من خلال عمل ميداني متواصل ومرافعة مؤسساتية جادة عن قضايا المواطنين.
فمنذ تحملها مسؤولية تمثيل ساكنة دائرة فاس الشمالية تحت قبة البرلمان، اختارت أن تجعل من قضايا المواطنين أولويتها الأساسية، حيث واظبت على حضور أشغال المؤسسة التشريعية بانتظام، وساهمت في إثارة العديد من القضايا ذات الصلة المباشرة بانشغالات الساكنة من خلال مئات الأسئلة الشفوية والكتابية التي همّت قطاعات حيوية كالصحة والتعليم والتشغيل والبنيات التحتية والنقل والتنمية الاجتماعية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، إضافة إلى القضايا المرتبطة بالدفاع عن حقوق المرأة وتمكينها اقتصاديًا واجتماعيًا وسياسيًا.
ولم يكن هذا الحضور مجرد ممارسة شكلية تقتضيها المهام البرلمانية، بل شكل امتدادًا لعمل ميداني يومي جعلها على تماس مباشر مع مختلف الشرائح الاجتماعية، تنصت إلى مشاكلها وتعمل على نقلها إلى الجهات المختصة، مؤمنة بأن البرلماني الحقيقي هو الذي يحمل هموم المواطنين إلى المؤسسات، لا الذي يكتفي بحمل صفته البرلمانية.
وبالموازاة مع مهامها التشريعية، بصمت خديجة حجوبي يعقوبي على حضور وازن داخل مجلس جهة فاس مكناس بصفتها نائبة للرئيس مكلفة بقطاع الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، وهو القطاع الذي يشكل اليوم أحد أهم روافد التنمية الترابية وخلق فرص الشغل وتحسين دخل الأسر.
وقد شهد هذا القطاع خلال السنوات الأخيرة دينامية ملحوظة من خلال تنظيم العديد من المعارض المحلية والجهوية والدولية لفائدة التعاونيات والحرفيين والحرفيات والصناع التقليديين والمقاولين الذاتيين، وهي مبادرات لاقت استحسان الفاعلين في المجال، باعتبارها ساهمت في فتح آفاق جديدة للتسويق والترويج للمنتجات المجالية والحرفية والفلاحية، ومنحت العديد من المنتجين فرصة الولوج إلى أسواق أوسع والتعريف بمنتجاتهم داخل المغرب وخارجه.
كما ارتبط اسمها بعدد من المبادرات الرامية إلى تعزيز البنيات الداعمة للاقتصاد الاجتماعي والتضامني ومواكبة الفاعلين في القطاع، في إطار رؤية تنموية تجعل من الإنسان محورًا أساسيًا للعمل العمومي، وتؤمن بأن التنمية لا تتحقق إلا بإشراك مختلف الفئات المنتجة وتمكينها من الوسائل الكفيلة بتحقيق استقلالها الاقتصادي.
لكن ما يمنح هذه التجربة خصوصيتها الحقيقية هو ذلك الخيط المتين الذي لم ينقطع يومًا بينها وبين المواطنين. فخديجة حجوبي يعقوبي لم تجعل من الصفة البرلمانية حاجزًا يفصلها عن محيطها الاجتماعي، ولم تغادر الحي الشعبي الذي نشأت فيه وترعرعت بين أزقته وساكنته. بل ظلت محافظة على بساطتها وقربها من الناس، واضعة بابها مفتوحًا أمام المواطنين للاستماع إلى مشاكلهم وقضاياهم، في صورة قلّ نظيرها في زمن أصبحت فيه المسافة بين المنتخب والناخب تتسع مباشرة بعد إعلان نتائج الانتخابات.
ولعل أكثر ما يثير الانتباه في مسارها هو قدرتها على مواصلة العمل رغم حملات التشويش والنقد الهدام التي كثيرًا ما ترافق التجارب الناجحة. فكلما حققت إنجازًا أو أطلقت مبادرة أو حضرت إلى جانب الساكنة في قضية من القضايا، برزت أصوات تحاول التقليل من قيمة المجهودات المبذولة أو التشويش على مسارها. غير أن التجربة أثبتت أن العمل الجاد هو أفضل رد على المشككين، وأن النتائج الميدانية تبقى أبلغ من أي سجال أو مزايدة.
لقد صمدت في وجه أعداء النجاح، وتعاملت مع الانتقادات بروح المسؤولية، مفضلة الاستمرار في العمل والإنجاز بدل الانشغال بالرد على كل محاولة للتشويش. وهي بذلك تقدم درسًا في المثابرة والإيمان بالعمل الميداني كوسيلة وحيدة لكسب ثقة المواطنين والحفاظ عليها.
إن المغرب اليوم في حاجة إلى نماذج من المنتخبين الذين يعتبرون المسؤولية تكليفًا لا تشريفًا، وخدمةً للمواطن لا امتيازًا شخصيًا. وفي هذا السياق، تبدو تجربة خديجة حجوبي يعقوبي مثالًا لمنتخب اختار أن يبقى قريبًا من الناس، حاضرًا في المؤسسات كما في الميدان، مدافعًا عن قضايا الساكنة، ومؤمنًا بأن السياسة الحقيقية تبدأ من الإنصات للمواطن وتنتهي بخدمته.
وإذا كانت التجارب السياسية تقاس بمدى تأثيرها في حياة المواطنين، فإن ما راكمته خديجة حجوبي يعقوبي من حضور ميداني ومؤسساتي يجعلها واحدة من الوجوه التي استطاعت أن تفرض احترامها من خلال العمل المتواصل، وأن تقدم نموذجًا للمنتخب الذي لا يختفي بعد الانتخابات، بل يظل بين الناس، ومن الناس، ولأجل الناس.



















