بقلم الكاتب الدكتور هشام خلوق/
في كل مرة يخرج فيها من الفانوس قرار حكومي فضائي لا يراعي احتياجات الواقع، ويغذي احتجاجات المواقع، ويبعث على التشاؤم، ويعبث بحاضر ومستقبل الشباب الطامح في العمل والعيش الكريم، أتذكر دعوة جدتي لي في تلك الليلة الصيفية، ذات صبا.
كانت ليلة مقمرة وجميلة، وضعت رأسي على حجرها وسط الفناء الداخلي، وتركتها تداعب شعري وتحك فروة رأسي، وتدعو لي بدعوات منهمرة كالسيل، لا أفهم أغلبها، ولا أهتم بالتي أفهم، كأنها لا تعنيني.
كنا صغارا، لا يغرينا الدعاء كثيرا، سواء أكان لنا أو علينا. نفضل الحلوى كجزاء على الدعاء لنا، ونفضل الدعاء علينا والسب على العقاب والضرب. لذلك لم أنتبه لسلسلة الأدعية التي خرجت من القلب، وترجمها اللسان المحب، إلى أن نطقت بدعوة غريبة تجسد كلماتها خوفها على مستقبلي، وتعبر عن قلقها من أن تعبث معي الظروف حين أشبّ.
قلقها كان حقيقيا لأنها خبرت الحياة، وتعلم من إرهاصات واقعها ما ينتظر جيلا كاملا في المستقبل. لم يكن قلقا منافقا كالذي يخرج من أفواه المسؤولين الذين يدّعون حرصهم على الشباب باللسان، ويُتبعون القول بقرارات تغرق الشباب في يأس اليابسة وفي بحر المحيط. ومع كل قرار حكومي جديد أتذكر دعوة جدتي، ويزداد يقيني أنها كانت محقة حين ترجمت قلقها على مستقبلي في دعوة قالت فيها:
ـ اللهم اجعل له عملا في الظل، على مكتب مريح، لا يحرك فيه إلا القلم
لم أحب تلك الدعوة، كنت ذلك الطفل الذي يعشق اللعب ويكره الأماكن المغلقة. وبمنطق الطفولة لم أكن أتصور نفسي مقيدا بين أربعة جدران بعيدا عن الشمس. رأيت نفسي مخنوقا في مكتب بدون حركة، وكمّ الملل الذي سأعيشه، وتصورت نفسي أحمل القلم إرضاء لجدتي، وأفر من المكتب إرضاء لرغبتي في اللعب.
تمنيت ألا تتحقق دعوتها، لكنها تحققت على دفعتين…
كان حلمها الذي رفضْتُه، ثم أصبح حلمي الذي حقّقتُه…


















