بقلم: أبو أويس
على حين غرة ودون مقدمات استفاق العالم على خبر مدوي نشرته كبريات الصحف العالمية، مفاده أن برنامجا تجسسيا صنعته شركة إسرائيلية قد اخترق حوالي ستة آلاف جهاز هاتف عبر العالم من بين عسكريين وصحفيين وحقوقيين وناشطين سياسيين ورجال دولة وحتى رؤساء.
ومما لاحظناه هو أن الخبر تناول كل المعطيات على سبيل العموم لكنه ركز على ذكر أمور بعينها تحديدا لتنكشف من خلال ذلك الزاوية التي قصد كاتب المقال تسليط الضوء عليها واستهدافها.
حيث تم التركيز على المغرب كجهة مستعملة لهذا البرنامج، وعلى حكام الجزائر كمتضررين من تجسس المغرب عبر بيگاسوس، وعلى الرئيس الفرنسي كهدف محتمل، وعلى هاتف الملك محمد السادس كرقم ضمن اللائحة، ثم على الصحفيين والنشطاء السياسين داخل وخارج المغرب بذريعة الاعتداء على حرية الصحافة وحقوق الإنسان.
ومن خلال هذه المعطيات التي تم التركيز عليها يتبين أن أصحاب المقال كانوا قد اختاروا هدفهم بدقة وعناية وأحاطوه بمعطيات تسهل تصديقه وأخرى تخدم الهدف الذي يرجى تحقيقه.
فكان توجههم مباشرة إلى المغرب واستهدافه داخليا وخارجيا، والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة لماذ المغرب بالذات؟
فعندما تعود قليلا إلى الوراء تجد حقا أن المغرب يتغير جيوسياسيا ويبني لنفسه شخصية سياسية فيها الكثير من الإستقلالية الإقتصادية والسياسية وهذا أمر يزعج الكثيرين.
فعلى مستوى البناء الفكري للتوجه السياسي المغربي أنصح بالرجوع إلى كلمة الملك محمد السادس خلال القمة المغربية الخليجية بالرياض سنة 2016، لفهم توجه النموذج المغربي الذي يزعحهم.
وعلى المستوى العملي، فإن المغرب دأب على تطوير بنياته التحتية من طرق ومواصلات واتصالات تمكنه من استقبال الشركات والمشاريع الكبرى، فبنى الموانئ وأهل العمل البنكي وانطلق وسط إفريقيا بالمشاريع والإستثمارات الضخمة على قاعدة رابح رابح، إلى أن جاءت الجائحة فظهر معدن المغرب الأصيل واصطف الشعب والجيش والملك صفا واحدا ونجحوا جميعا نجاحا باهرا حتى صارت الصحافة الفرنسية تنتقذ رئيسها وتضرب له المثل بالمغرب الذي كان يصنع كماماته حين افتقدتها فرنسا في عز الأزمة، ومارست الصحافة الفرنسية نفس الانتقاد على الحكومة الفرنسية حين كان المغرب يلقح مواطنيه ضد كورونا مرتين أكثر من فرنسا، ومما زادهم تأكيدا أن مغرب اليوم ليس هو مغرب الأمس هو وقوفه أمام إسبانيا بقوة، وشل الحركة الإقتصادية لجنوب اسبانيا حين مست مصالح وحدته الترابية، بالإضافة إلى توقيع الإتفاق مع الصين على مشاريع كبرى ومن بينها تصنيع وتعبئة اللقاحات بالمغرب ليفتح الباب أمام مكون جديد بين اللاعبين السياسيين والإقتصاديين الكبار في المنطقة، ثم إختيار المغرب لإيطاليا لشراء سفن حربية مضادة للغواصات عوض فرنسا، وشراء منظومة التشويش العسكرية من تركيا، ثم الاتفاق مع نيجيريا لبناء أنبوب الغاز الإفريقي، وكذلك المناورات العسكرية “الأسد الإفريقي” مع الولايات المتحدة…وغيره مما نسميه بتعدد الشركاء من المعطيات التي جعلت فرنسا بالخصوص تتوجس خيفة من تنامي الدور المغربي إقليميا.
هذا هو المغرب القوي استخباراتيا والذي صار يزاحم فرنسا حتى في عقر مستعمراتها الكلاسيكية.
كل هذا جعل من المغرب هدفا للتشويش والاستهداف، وأن خبر “بيگاسوس” لن يكون سوى انطلاق الحملة المعادية للمغرب من أجل إلهائه وإضعافه.
ولقد كانت الفكرة خبيثة إلى أبعد حد حيث استعملوا نقطة الجزائر باعتبار الصراع التقليدي بينها وبين المغرب حتى يسهل تصديق المتلقي للخبر ويجزم بأن المغرب فعلا استعمل “بيگاسوس” لمراقبة هواتف الجنرالات الجزائريين ومن تم تمر بسهولة مسألة التجسس على الرئيس الفرنسي، للبدأ في سلسلة تحقيقات وتحقيقات مضادة بهدف ابتزاز المغرب وتحقيق أهداف استراتيجية واقتصادية ومحاولة إضعاف المغرب وإرجاعة إلى الحوزة الفرنسية.
وكانت النقطة الأشد خبثا هو إدراج إسم الملك وأرقام العائلة الملكية بهدف زرع الفتنة الداخلية مفادها اتهام الأجهزة الوطنية لخلق نوع من الشرخ الداخلي.
لكن المغرب تفطن لهذا وتعامل معه بالتروي والهدوء اللازمين بعيدا عن ردود الأفعال والمراهقة السياسية، فسلك سبل الرد الدبلوماسي والتحقيق القانوني والدعوى القضائية، للرد بالدليل على كل الإفتراءات المغرضة.
لكن هل هذا الأمر سينتهي عند هذا الحد؟
طبعا لا، وستكون له تداعيات سيئة إذا لم نتخذ إجراءات حازمة وبخطوات جريئة واحترافية وسريعة لتوجيه مآلات هذا الأمر والتقليل من تداعياته السلبية على سمعة المغرب.
أولا :يجب تجديد النخب السياسية وتقوية الجبهة الداخلية بشخصيات ذات كفاءة وشعبية للحفاظ على مستوى عال من التعبئة لمواجهة التحديات القادمة والتي غالبا ما ستتوالى لأننا أصبحنا هدفا لقوى الفكر الإستعماري الجديد.
ثانيا: يجب إنشاء قطب إعلامي قوي محترف ومتمكن يخاطب العالمين الأمريكي والأوروبي باللغة الإنجليزية مباشرة وبقواعد السياسة العالمية لنشر وتثبيث النموذج المغربي بكل مكوناته، وللتعريف بثوابت السياسة المغربية والترويج لها كخطوة استباقية عوض ردود الأفعال أو الاعتماد على وسطاء قد لا يوصلون الرسالة كما ينبغي.
ثالثا: حماية المكتسبات التي حققها المغرب من خلال تطوره الداخلي وشخصيته السياسية في المنطقة والبناء عليها من أجل الإستثمار في مجال الصناعات المحلية لتحقيق الاكتفاء الذاتي والانتشار القاري بتزويد السوق الإفريقية التي تشهد منافسة شرسة .
رابعا: تعزيز الدبلوماسية المغربية بخبراء جدد من أجل تكثيف التشاور على جميع التخصصات،لاتخاذ القرارات الصائبة والحازمة.
ليعلموا جميعهم أن مغرب الغذ بإذن الله هو أقوى من مغرب اليوم تحقيقا وليس تعليقا.



















