بقلم الكاتب الدكتور هشام خلوق/
دائما ما أقيس حاضر فاس وماضيها بمقلاة جدي التي حققت برمزيتها في ذهني كل التوازن. وها قد انقلب الميزان بالناس في مدينة فاس، ومر القطار السريع عليهم، وحطم في طريقه الجميع، وعفى فقط عن راع تائه وبعض القطيع.
كل شيء فقد قيمته في سوق الصفارين، فأي مقلاة نشتري وماذا نبيع؟ لقد عوض رعب المجرمين في المقلاة طعم “الخليع”، ورائحة المدينة القديمة تلك التي كانت أصيلة فيما تصنعه أيادي الصناع التقليديين، أشمها مع كل زيارة مزورة، بعد أن طمست أصالتها منتوجات صنع في الصين.
ومن كل تلك المنتوجات الأصلية قبل الغزو، لم تبقى بحوزتنا إلا تلك المقلاة العجيبة التي اشتراها جدي من تاجر يهودي بالمدينة القديمة، والتي كانت ضمن جهاز جدتي حين عقد قرانه عليها، ثم وصلت المقلاة لأمي من أمها وجدي بعد الوفاة. جدي كان مزواجا، ولا أحد يعرف كم مقلاة صرف، وما وصلني يقينا أنهن كن فوق السبعة.
المقلاة كانت فريدة، فولاذية وثقيلة، صديقة للبيئة وللجيب، وحتى إن كنت بخيلا واقتصدت في المقادير تستر العيب. مقاومة للصدأ والالتصاق، يمكن الاعتماد عليها في تحضير أغلب الوجبات، ويمكن تحويلها لصحن يقدم فيه الطعام، لكن ليس للضيوف طبعا. خالدة لا تتأثر بنار، وكأنها صنعت من جرم كريم سقط من السماء. كانت تزين أرشيف المطبخ، وعيني عليها، وطلبت من أمي أن تمنحها لي، فقالت أن أخي سبقني إليها. والأكيد أن قراءته لهذه الأسطر ستجعله يقوم بتسليمها لي، وأتمنى منه أن يكون ذلك في مراسيم رسمية وملوكية، كتلك التي واكبت عودة مومياء الملك رمسيس الثاني من فرنسا لبلده مصر.
قد يبدو اهتمامي بأداة طهي سطحيا، لكنني أراه أعمق من ذلك، فدائما ما كان تشبتي بتلك المقلاة من تشبتي بالحياة، وبالتاريخ. وها قد أصبحت عاجزا وغير قادر، وكلما اشتقت للماضي حاصرني الحاضر. فما بين الحين والحين يأخذني الحنين لزمن المقلاة، وهو زمن لم يكن فيه الميزان مقلوبا فيك يا فاس، وإن كان حينها مائلا.


















