بقلم الكاتب الدكتور هشام خلوق/
□ أفضل عربات النقانق “خانز ولذيذ” على المطاعم الفاخرة، ليس من باب التواضع، بل بسبب الإثارة التي أعيشها وأنا أتتبع رائحتها من بعيد، وأستسلم بين يدي صاحبها وأعض على المكون المجهول الذي يقدمه لي بابتسامة عفوية خالية من البروتوكول…
الكثير منا لا يرتاد بعض الأماكن ليس لأنه لا يريد ارتيادها، بل لأنه لا يقبل أن يُشاهد هناك خوفا على مظهره ومكانته. حين أقف على عربة نقانق، أجد بعض الفتيات المحبّات للوجبة يجلسن مختفيات وكأنهن مجرمات متلبسات، أو في بيت للدعارة لا أمام عربة نقانق. محتشمات ولا يأخذن السيلفيات كما يفعلن في المطاعم الفاخرة. كذلك بعض أصحابي يرفضون مرافقتي للعربة ويفضلون البقاء في السيارة رغم حبهم للوجبة.
لا يمكن أن أمر من قرب عربة دون أن تجذبني رائحة النقانق الحمراء فأصبح مسلوب الإرادة. أفتخر بكوني سفير الوجبات الهامشية، ورسول آمن على يديه الكثير من الأصدقاء المغرر بهم من محبي الرسميات والبروتوكولات، والذين أعلنوا توبتهم على يدي أمام عربة النقانق العجيبة.
الطبيعة هي ما تريده أنت لنفسك، والتصنع هو ما تريد أن يراه الآخرون منك. والحياة لا تستحق منا كل هذا العناء وهذه الرسميات والبروتوكولات، أحس بها تكلفا يبعدني عن فعل ما أشتهي وما أريد. وفي النهاية نحن أبناء الطبيعة ولسنا منتوجات تصنع وتتصنع وتخرج من المصنع. ولي مع بعض المطاعم الفاخرة قصص جعلتني أمقتها، ولا أجد أي متعة في ارتيادها، لأنني أرى كل شيء فيها مصطنعا، فقط الأطفال وحدهم يتحركون في قلبها بعفوية، ويتم قمعهم في كل مرة من ذويهم، لأن “بريستيج المكان” يعادي براءة الأطفال.
أسمع كثيرا عن المكونات السامة وانعدام النظافة، وغيرها من الكلمات التي تتردد حول المطاعم البسيطة وعربات الأكل، وقد يكون ما يقال حولها صحيحا، لكنني لا أهتم لأن حبي للوجبة أكبر، ولأن حالة التسمم الوحيدة التي عانيت منها كانت في مطعم فاخر، أما النقانق الحمراء فهي عشق الطفولة. في زمن الصبا وعندما كنت أمرض، أفقد شهية الأكل تماما، وأرفض كل ما يقدم لي، وأطلب فقط وجبة نقانق “خانز ولذيذ” فيأتي الشفاء على يديها.
باختصار إذا حضرت النقانق الحمراء ساعة الجوع أصعد معها للقمة، وتصبح باقي الوجبات غير مهمة.


















